خليل الصفدي

95

صرف العين

وأن تستوعبها جميعا ؛ وإلا وجدت بعض المعاني بلا ألفاظ تعبر عنها ، ومتى كانت الألفاظ مستوعبة للمعاني يلزم الاشتراك ؛ لأنّه لا بدّ حينئذ من لفظ واحد ، يدل على معان كثيرة . وقد رد التاج السبكي حجة المثبتين هذه بأدلة مقنعة ، فليست المعاني غير متناهية ؛ لأنّ ما لا نهاية له في الوجود محال ، وليست الأعداد غير متناهية ؛ فأصولها متناهية ، وهي : الآحاد ، والعشرات ، والمئون ، والألوف ، ولأن سلمنا بصحة المقدمتين - وهما : عدم تناهى المعاني ، وتناهى الألفاظ - فلا يشترط أن توجد ألفاظ لكل المعاني ، بل جاز خلو بعض المعاني عن الوضع ، وضرب لذلك مثلا بأسماء الروائح ؛ فكثير منها لا تجد لها أسماء مستقلة ، لا مشتركة ، ولا مفردة ، بعد الاستقراء والبحث التام ، وإنّما يثبت التاج السبكي وجود المشترك باللغة ذاتها ، لا بالقياس العقلي ، وذلك لوجود ألفاظ كثيرة تدل على أكثر من معنى ، منها في القرآن الكريم : القرء للطهر والحيض ، وعسعس لأقبل وأدبر ، وغير ذلك « 1 » . ومما يؤيد حجة المثبتين ما نقله الزركشي رواية عن أحمد ، عن أبي الدرداء رضى اللّه عنه قال : « لا يفقه الرّجل كلّ الفقه ؛ حتّى يرى للقرآن وجوها كثيرة » ؛ أي : اللفظ الواحد يحتمل معاني متعددة ، ولا يقتصر به على ذلك المعنى ، بل يعلم أنّه يصلح لهذا ولهذا » « 2 » . وذهب بعض المثبتين للاشتراك إلى القول بأنّ الاشتراك هو الغالب على كلمات اللغة ؛ وذلك « لأنّ الحروف بأسرها مشتركة بشهادة النحاة ، والأفعال الماضية مشتركة بين الخبر والدعاء ، والمضارع كذلك ، وهو أيضا مشترك بين الحال والاستقبال ، والأسماء كثير فيها الاشتراك ؛ فإذا ضممناها إلى قسمي الحروف والأفعال كان الاشتراك أغلب » « 3 » . والفئة الثالثة من العلماء هم المثبتون للاشتراك بشروط ، ذكر التاج السبكي منهم الفخر الرازي ، وأهل الظاهر .

--> ( 1 ) انظر : الإبهاج 1 / 249 ، وصرف العين ( مخطوط العمومية ) 16 / أ . ( 2 ) البرهان في علوم القرآن 2 / 207 . ( 3 ) المزهر 1 / 370 .